دور التكنولوجيا في تنويع اقتصاد الخليج ومستقبل النمو

سجلت دول الخليج قفزة نوعية كبرى في مجالات التكنولوجيا، من مجرد مستهلك لها إلى لاعب رئيسي مؤثر على مستوى العالم. ويعني هذا التحول أن المنطقة قطعت في السنوات الأخيرة أشواطا طويلة نقلتها من مراحل التخطيط إلى التوظيف الحقيقي للتكنولوجيا في الاقتصاد، عبر تخصيص مبالغ ضخمة وبناء تحالفات عالمية تعكس دور التكنولوجيا في تنويع اقتصاد الخليج. وأخذت مساهمة قطاع التكنولوجيا في النواتج المحلية الإجمالية لدول الخليج بالارتفاع عاما تلو الآخر. وتعول دول الخليج في السنوات القادمة على تعظيم حصة هذا القطاع من النمو الاقتصادي عبر رصد مبلغ تريليوني دولار للاستثمار في التكنولوجيا ومجالات الذكاء الصناعي، التي باتت توصف بأنها "النفط الجديد" في هذه المنطقة التي قامت اقتصاداتها لعقود طويلة على "الذهب الأسود".
حقول النمو الرئيسية والشراكات العالمية
خصصت دول الخليج ما يصل إلى 320 مليار دولار للاستثمار في القطاعات المرتبطة بالتحول الرقمي والتكنولوجي والذكاء الصناعي، ومن أبرزها السعودية التي أسهم قطاع الاقتصاد الرقمي بـ15.6 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي، في حين كانت حصة التكنولوجيا المالية في الإمارات 8.7 بالمئة من نمو الاقتصاد مع بداية 2025. وفي ما يلي أهم الحقول ذات الصلة بدعم دور التكنولوجيا في تنويع اقتصاد الخليج.
1. الذكاء الصناعي ومراكز البيانات: تراهن دول الخليج على خلق بنية تحتية متينة لمشاريع الذكاء الصناعي والاستفادة من مزاياها في قطاعات متعددة. وتخطط شركة هيومين المدعومة من الحكومة السعودية لبناء "مصانع ذكاء اصطناعي" مدعومة بكميات ضخمة من الرقاقات التي تصنعها شركة إنفيديا، على مدى السنوات الخمس المقبلة. كما تعهدت شركة "إيه إم دي الأميركية" المتخصصة بصناعة الرقائق، بتوفير الرقائق والبرمجيات لمراكز البيانات الممتدة من السعودية إلى الولايات المتحدة، في مشروع بقيمة 10 مليارات دولار. وأبرمت مجموعة الذكاء الاصطناعي الإماراتية "جي 42" عقودا مع شركة ميسترال لتطوير منصات وبنية تحتية للذكاء الاصطناعي. كما أقامت شراكة مع شركة صناعة الرقائق الأميركية سيريبراس التي تدير أجهزة كمبيوتر عملاقة.
2. التكنولوجيا المالية: من المتوقع أن ينمو سوق التكنولوجيا المالية في دول مجلس التعاون الخليجي من حوالي 10 مليارات دولار في عام 2025 إلى نحو 30 مليارا بحلول عام 2032. وفي هذا السياق، أطلقت الإمارات منظومة للتكنولوجيا المالية هي الأكثر تقدّماً في المنطقة، ما جعل دبي محطة مهمة لنشاط الشركات الرقمية على مستوى العالم. ودمن جهته، اعتمد البنك المركزي البحريني إطاراً رقابياً شاملاً مكّن المملكة من جذب شركات كبرى، مثل بينانس، لتكون أوّل منصّة عالمية مرخصة خليجيّا. أما السعودية، فتخطو في هذا المجال عبر مشاريع تجريبية، من بينها "مشروع عابر" المشترك مع الإمارات، لتطوير عملة رقمية للبنوك المركزية، تُستخدم في المدفوعات العابرة للحدود. وتمضي قطر وعُمان في بناء لوائح لتنظيم الأصول الافتراضية وفق معايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
3. المدن الذكية: دخلت دبي وأبوظبي قائمة أفضل 5 مدن عالمية في مؤشر المدن الذكية الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية. ومن أبرز المدن الذكية في الخليج "نيوم"، التي تخطط السعودية لجعلها مدينة تعتمد بشكل كامل على الذكاء الصناعي، بالإضافة إلى مشيرب في قطر، والعاصمة البحرينية المنامة. وتتبنى هذه المدن المعايير العالمية في مجالات الاستدامة والطاقة الخضراء والبنية التحتية الرقمية والتنقل الذكي، بالإضافة إلى اتباع الأنماط الذكية في الصحة والسلامة العامة.
4. الدفاع والأمن السيبراني: مع تسارع مشاريع التحول الرقمي وتعاظم دور التكنولوجيا في تنويع اقتصاد الخليج، تحتاج هذه الدول إلى نظام أمني مواز، وهو ما أدى إلى ارتفاع لافت في الطلب على حلول الأمن السيبراني والذكاء الصناعي الدفاعي. وتقدر قيمة السوق الخليجية حاليا بما يصل الى 9 مليارات دولار، مع توقعات بتجاوزها 18 مليار دولار بحلول 2034 مدفوعة بالإنفاق الحكومي على حماية البنية التحتية الرقمية، إضافة إلى توسع الشركات في استخدام تقنيات الذكاء الصناعي لرصد التهديدات السيبرانية. ووحّدت الدول الست جهودها في هذا المجال، عبر الاتفاق على خطة شاملة لتنفيذ "الاستراتيجية الخليجية للأمن السيبراني" حتى عام 2028.
5. الألعاب والرياضات الالكترونية: تطمح السعودية إلى أن تصبح مركز عالميا، باستثمارات بلغت أكثر من 38 مليار دولار. ومن المتوقع أن يحقق سوق الألعاب والرياضات الإلكترونية إيرادات قدرها 13.3 مليار دولار بحلول عام 2030. وأطلقت السعودية "الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية"، المؤمّل إلى أن تؤدي إلى توفير 39 ألف فرصة عمل بحلول عام 2030. وتخطو الامارات ايضا نحو جعل دبي مركزا عالميا للألعاب الإلكترونية بحلول 2033.
تشهد دول الخليج تحولات كبرى متسارعة نحو إدخال التكنولوجيا في مختلف أنشطتها الاقتصادية. وهي بذلك تتبنى إنشاء ودعم قطاعات جديدة نسبيا وتوفر لها مئات المليارات من الدولارات في "اقتصاد ما بعد النفط" الذي يبرز دور التكنولوجيا في تنويع اقتصاد الخليج. وتنمو مساهمة مجالات التحول الرقمي والذكاء الصناعي والتكنولوجيا المالية في النواتج المحلية الإجمالية لدول الخليج بأرقام لافتة واستثمارات ضخمة، ضمن تحالفات وشراكات مع أبرز اللاعبين الدوليين في هذه المجالات. وأخذت إنجازات الدول الخليجية في التحول الرقمي تظهر على مستوى العالم، وتشمل نقاط جذب استثماري بارزة للشركات الكبرى وأصحاب المواهب والابتكارات.
