غموض الاحتياطي الفيدرالي يربك الأسواق ويرفع عوائد السندات الأمريكية

غموض الاحتياطي الفيدرالي يربك الأسواق ويرفع عوائد السندات الأمريكية
© bloomberg

تتزايد المخاوف في أسواق السندات الأمريكية مع استمرار رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، في تجنب تقديم إشارات واضحة بشأن كيفية تعامل البنك المركزي مع المتغيرات الاقتصادية والتضخم، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم للمسار المستقبلي للسياسة النقدية.

ويرى متعاملون أن غياب التوجيهات الواضحة من الاحتياطي الفيدرالي بدأ ينعكس على سوق الخزانة الأمريكية، في ظل تراجع الثقة بقدرة البنك المركزي على احتواء الضغوط التضخمية، خاصة بعد قراره الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه الأخير.

تراجع الثقة يدفع عوائد السندات للارتفاع

في ظل غياب رؤية واضحة بشأن كيفية استجابة الاحتياطي الفيدرالي للبيانات الاقتصادية المقبلة، وعلى رأسها تقرير الوظائف الشهري، يطالب المستثمرون بعلاوة مخاطر أكبر مقابل الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل، ما أدى إلى ارتفاع عوائدها بشكل ملحوظ.

كما عزز متداولو الخيارات رهاناتهم على استمرار صعود العوائد خلال الفترة المقبلة، وهو ما ينعكس في زيادة تكلفة الاقتراض على الحكومة الأمريكية، وكذلك على الشركات والأفراد.

وسجل العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا أعلى مستوياته منذ 19 عامًا، فيما بلغت عوائد السندات الألمانية أعلى مستوياتها في 15 عامًا، مع استمرار ارتفاع الفائدة طويلة الأجل في اليابان أيضًا.

في نفس السياق تشير تسعيرات الأسواق حاليًا إلى احتمال يقترب من 70% لقيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر المقبل، بينما تعكس التوقعات تسعيرًا كاملًا لزيادة أخرى خلال اجتماع أكتوبر، الذي يسبق الانتخابات الأمريكية.

كما ساهم تصاعد الصراع في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط في تعزيز مخاوف التضخم، الأمر الذي يزيد من تعقيد مهمة صناع السياسة النقدية.

تحذيرات من المستثمرين

قالت تريسي تشين، مديرة المحافظ في شركة برانديواين، إن الاستثمار في السندات طويلة الأجل أصبح أكثر خطورة في الوقت الراهن، موضحة أنها تحتفظ بانكشاف أقل من المعتاد على سندات الخزانة الأمريكية.

وأضافت: "إذا ظل التضخم مرتفعًا خلال الشهرين المقبلين ولم يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في سبتمبر، فقد يشهد سوق السندات موجة بيع قوية."

في المقابل، حذر ثلاثة من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الذين عارضوا قرار تثبيت الفائدة من أن تأجيل مواجهة التضخم قد يفرض على البنك المركزي اتخاذ إجراءات أكثر حدة في المستقبل.

غموض وارش يثير تساؤلات الأسواق

ورغم تأكيد كيفن وارش التزامه بإعادة التضخم إلى مستهدف 2%، فإن تصريحاته الأخيرة أثارت مزيدًا من التساؤلات.

وأشار إلى أن ارتفاع عوائد السندات يسهم بالفعل في تشديد الأوضاع المالية، كما شكك في استمرار ملاءمة مؤشر التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، مؤكدًا أن أسعار الفائدة ليست الأداة الوحيدة المتاحة لمكافحة التضخم.

مقترح لتقليل اجتماعات الفيدرالي

زاد الغموض بعدما كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن وارش طرح خلال الاجتماع الأخير للجنة السوق المفتوحة مقترحًا لتقليل عدد الاجتماعات الدورية الخاصة بالسياسة النقدية، وهو ما رفض الاحتياطي الفيدرالي التعليق عليه.

وقال بن إيمونز، المدير التنفيذي للدخل الثابت في "هايلاين لإدارة الأصول"، إن هذه الخطوة "ستشكل تحولًا كبيرًا في طريقة تواصل الاحتياطي الفيدرالي مع الأسواق، وقد تؤدي إلى زيادة التقلبات."

وأضاف أن تقليص الاجتماعات سيجبر الأسواق على تحمل قدر أكبر من مسؤولية تفسير البيانات الاقتصادية دون توجيه مباشر من البنك المركزي.

منحنى العائد يعكس تراجع الثقة

يعكس أداء منحنى عوائد سندات الخزانة تغيرًا واضحًا في نظرة المستثمرين إلى السياسة النقدية.

فبعد اجتماع يونيو، الذي كان الأول لوارش كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، تقلص الفارق بين العوائد قصيرة وطويلة الأجل، في إشارة إلى ثقة الأسواق بقدرة البنك المركزي على السيطرة على التضخم.

لكن هذا الاتجاه انعكس بعد اجتماع يوليو، حيث اتجه المستثمرون إلى بيع السندات طويلة الأجل بكثافة، ما أدى إلى ارتفاع عوائدها بصورة ملحوظة، في ظل تنامي المخاوف بشأن التضخم وغياب إطار واضح للسياسة النقدية.

رهانات على استمرار ارتفاع العوائد

شهدت أسواق الخيارات عمليات شراء مكثفة لعقود تستهدف وصول العائد على سندات الخزانة لأجل عشر سنوات إلى نحو 4.9% خلال الأسابيع المقبلة، وهو أعلى مستوى منذ عام 2023.

كما تتوقع رهانات أخرى صعود العائد على السندات لأجل 30 عامًا إلى أكثر من 5.4%، بالقرب من أعلى مستوياته المسجلة في عام 2007.

وقال كيفن فلاناغان، رئيس استراتيجية الاستثمار في "ويزدوم تري"، إن سوق السندات عاد مجددًا إلى توقع عوائد تقترب من 5% على السندات لأجل عشر سنوات، مضيفًا أن الاحتياطي الفيدرالي سيكون مطالبًا باتخاذ إجراءات فعلية إذا استمرت البيانات الاقتصادية في الإشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية.

في سياق متصل لا تقتصر أسباب ارتفاع العوائد على السياسة النقدية فقط، إذ يواصل القلق بشأن أوضاع المالية العامة الأمريكية ممارسة ضغوط إضافية على سوق السندات.

ويترقب المستثمرون إعلان وزارة الخزانة بشأن أحجام إصدارات السندات خلال الفترة من أغسطس إلى أكتوبر، وسط توقعات بالإبقاء على مستويات الاقتراض الحالية، مع احتمال التمهيد لزيادات جديدة خلال العام المقبل.

بيانات التوظيف اختبار حاسم

تمثل البيانات الاقتصادية المنتظرة هذا الأسبوع، وفي مقدمتها تقرير الوظائف لشهر يوليو، اختبارًا مهمًا لقدرة الأسواق على إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية في ظل غياب التوجيهات الرسمية.

وقال سكوت ديماجيو، رئيس الدخل الثابت في "أليانس بيرنشتاين"، إن الاحتياطي الفيدرالي يواجه خطر فقدان السيطرة على سوق السندات إذا استمر في عدم توضيح استراتيجيته لمواجهة التضخم، مؤكدًا أن السوق سيجد صعوبة في الاستقرار ما لم يقدم وارش إطارًا واضحًا للسياسة النقدية.

شارك هذا المقال

اقرأ المزيد

تطبيق UA Finance لمتابعة الأسواق لحظة بلحظة

حمّل التطبيق لمتابعة الأسعار المباشرة، الأخبار الاقتصادية، التحليلات، الأسهم، العملات، الذهب والعملات الرقمية بسهولة.
غموض الاحتياطي الفيدرالي يربك الأسواق