«حجارة الجوع» تعود إلى أنهار أوروبا.. الجفاف يهدد النقل والأسعار وسلاسل الإمداد

15 أغسطس 2026
«حجارة الجوع» تعود إلى أنهار أوروبا.. الجفاف يهدد النقل والأسعار وسلاسل الإمداد
© os

 «إذا رأيتموني فابكوا» أو «لقد بكينا وأنتم ستبكون»  عندما تظهر تلك عبارات منقوشة على ما بات يُعرف بـ«حجارة الجوع» في قيعان أنهار وسط أوروبا، فإنها توحي للوهلة الأولى بمخاوف من الجفاف والجوع ونقص المياه.

لكن ظهور هذه الحجارة هذا الصيف لا يعني أن ضفاف أنهار إلبه والدانوب والراين في ألمانيا مقبلة على المجاعة. فالربط بين ظهورها وحدوث مجاعة في ألمانيا اليوم يبدو مبالغًا فيه، إذ تمتلك البلاد نظامًا غذائيًا متكاملًا وبنية اقتصادية قادرة على مواجهة أزمات الجفاف ونقص المياه.

ومع ذلك، اكتسب ظهور هذه الحجارة أهمية رمزية متزايدة، خصوصًا مع تكرارها خلال أعوام 2018 و2022 و2026، إذ باتت تمثل تذكيرًا تاريخيًا بفترات الجفاف القاسية، وفي الوقت نفسه مؤشرًا على تداعيات اقتصادية بدأت تظهر بالفعل في الحياة اليومية.

«حجارة الجوع».. من نذير بالمجاعة إلى رمز للتغير المناخي

تظهر هذه الحجارة عندما تتراجع مناسيب الأنهار إلى مستويات منخفضة للغاية، وتعد أشهرها تلك الموجودة على الضفة اليسرى لنهر إلبه بين ديتش في التشيك وبيرنا في ألمانيا، والتي يعود تاريخ نقشها إلى عام 1616.

وبمرور الوقت، تحولت «حجارة الجوع» من مجرد علامات تاريخية مرتبطة بالجفاف ونقص المحاصيل إلى رمز للمخاطر التي يفرضها تغير المناخ على الاقتصاد وسلاسل الإمداد.

ورغم أن ظهورها لا يعني أن ألمانيا تواجه خطر المجاعة، فإن انخفاض مستويات المياه يحمل تداعيات ملموسة على حركة التجارة والنقل، خصوصًا في ظل اعتماد الاقتصاد الألماني بدرجة كبيرة على الأنهار لنقل المواد الخام والوقود والمنتجات الصناعية.

انخفاض المياه يرفع تكلفة نقل البضائع

وتبدأ التداعيات الاقتصادية بصورة مباشرة من قطاع النقل النهري.

وينقل الموقع الإخباري «تاغسشاو» عن توماس بولس، المسؤول عن قسم دراسات النقل والبنية التحتية في معهد الاقتصاد الألماني، أن نقل البضائع أصبح أكثر تكلفة في ظل انخفاض مستويات المياه.

وأوضح أن تكلفة نقل البضائع من منطقة الراين باتجاه ميناء روتردام ارتفعت إلى نحو أربعة أمثالها، بعدما أصبحت السفن غير قادرة على الإبحار بحمولاتها المعتادة، واضطرت إلى تخفيف كميات الشحن بسبب انخفاض الغاطس.

وتعني هذه التطورات أن الشركات تحتاج إلى عدد أكبر من الرحلات لنقل الكميات نفسها، وهو ما يرفع تكاليف التشغيل والوقود ويضغط على هوامش أرباح الشركات.

الراين.. شريان اقتصادي تحت الضغط

وتبرز خطورة انخفاض المياه بشكل خاص في نهر الراين، الذي يعد أحد أهم الممرات المائية في أوروبا لنقل النفط والمواد الكيميائية والفحم والمواد الخام والحبوب والمنتجات الصناعية.

ويعني انخفاض منسوب النهر أن السفن لا تستطيع تحميل كمياتها المعتادة، ما يخلق اختناقات في سلاسل الإمداد ويجبر الشركات على البحث عن وسائل نقل بديلة، مثل الشاحنات والقطارات، والتي قد تكون أكثر تكلفة وأقل قدرة على استيعاب الكميات الكبيرة.

وبالتالي، يمكن أن يتحول انخفاض المياه من مشكلة بيئية إلى مشكلة لوجستية واقتصادية تؤثر في تكلفة الإنتاج وأسعار السلع.

الصناعة والطاقة في مرمى الأزمة

ولا تقتصر التداعيات على شركات النقل، إذ تظهر آثار انخفاض المياه بشكل واضح في قطاعات الصناعات الكيميائية والطاقة.

فالعديد من المصانع تعتمد على الأنهار في وصول المواد الخام والوقود، بينما قد تواجه مصافي النفط صعوبات في استقبال الإمدادات المنقولة عبر المياه.

وحذرت خبيرة الاقتصاد الألمانية فيرونيكا غريم من أن محدودية قدرات النقل قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الأساسية إذا لم يتم توزيع قدرات النقل المتاحة بكفاءة.

وأشارت إلى أن انخفاض مستويات المياه يؤثر بصورة خاصة في الصناعات الكيميائية وسوق الطاقة، لافتة إلى أن نقل النفط إلى المصافي يتأثر أيضًا بتراجع مناسيب الأنهار.

ارتفاع تكاليف النقل قد يصل إلى المستهلك

وتختلف حدة التأثير من شركة إلى أخرى وفقًا لقدرتها على تخزين المواد الخام والوقود.

فالشركات التي تمتلك مخزونات كبيرة تستطيع امتصاص اضطرابات النقل لفترة أطول، بينما تواجه الشركات التي تعتمد على الإمدادات اليومية ضغوطًا أكبر مع ارتفاع تكلفة الشحن.

ومع استمرار الأزمة، قد تنتقل الزيادة في تكاليف النقل إلى أسعار المنتجات النهائية، ما يضيف ضغوطًا جديدة على المستهلكين ويجعل الجفاف أحد العوامل التي يمكن أن تغذي التضخم بصورة غير مباشرة.

هل تعميق الأنهار هو الحل؟

ورغم المطالب بتعميق بعض الممرات المائية لتحسين قدرة السفن على الحركة، ترى غريم أن هذا الإجراء لا يمثل حلًا بسيطًا للمشكلة.

وأوضحت أن تعميق الممرات قد يكون ضروريًا في بعض المناطق، لكن يجب تقييم آثاره البيئية بعناية، مشيرة إلى أن «التعميق لا يخلق مياهًا إضافية».

وترى أن الحل الأكثر استدامة يتمثل في وضع خطط مسبقة لتحديد أولويات النقل عندما تنخفض مستويات المياه، بدلًا من انتظار وقوع الأزمة ثم اللجوء إلى إجراءات طارئة.

تغير المناخ يفرض فاتورة اقتصادية جديدة

وانتقدت غريم ما وصفته بافتقار السياسات الألمانية إلى رؤية طويلة المدى للتعامل مع تداعيات تغير المناخ , وقالت إن تعليق حظر سير الشاحنات أيام الأحد قد يكون إجراءً مناسبًا في الظروف الحالية، لكنها شددت على ضرورة الاستعداد مسبقًا لمثل هذه الأوضاع بدلًا من التعامل معها باعتبارها أزمات مفاجئة.

وتزداد أهمية هذه الدعوات مع تكرار فترات انخفاض المياه، إذ لم تعد القضية مرتبطة فقط بمستويات الأنهار، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرة الاقتصاد على الحفاظ على تدفق المواد الخام والطاقة والسلع في ظل ظروف مناخية أكثر تقلبًا.

«حجارة الجوع» تكشف أزمة اقتصادية أوسع

وبذلك، لا تبدو «حجارة الجوع» في أوروبا اليوم نذيرًا بمجاعة، بقدر ما أصبحت رمزًا لتحول المخاطر المناخية إلى تحديات اقتصادية مباشرة.

فانخفاض مناسيب الأنهار يمكن أن يعني سفنًا بحمولات أقل، وتكاليف نقل أعلى، وضغوطًا على الصناعة والطاقة، ثم ارتفاعًا محتملًا في أسعار بعض السلع.

ومع استمرار تغير المناخ، يصبح التحدي أمام ألمانيا وأوروبا ليس فقط توفير المياه، وإنما تأمين بدائل نقل فعالة ومرنة تحمي سلاسل الإمداد من تأثيرات الجفاف وتحد من انتقال تكاليفه إلى المستهلكين.

شارك هذا المقال

اقرأ المزيد

تطبيق UA Finance لمتابعة الأسواق لحظة بلحظة

حمّل التطبيق لمتابعة الأسعار المباشرة، الأخبار الاقتصادية، التحليلات، الأسهم، العملات، الذهب والعملات الرقمية بسهولة.