الدين الأمريكي يتجاوز 40 تريليون دولار.. من يمول واشنطن وإلى أين تتجه المخاطر؟

الدين الأمريكي يتجاوز 40 تريليون دولار
© AI

تجاوز الدين العام الأمريكي حاجز 40 تريليون دولار للمرة الأولى، مواصلًا ارتفاعه إلى نحو 40.18 تريليون دولار مطلع سبتمبر 2026، في مستوى تاريخي يعكس اتساع الفجوة بين الإنفاق الحكومي والإيرادات.
ورغم ضخامة الرقم، لم تتوقف الحكومة الأمريكية عن الوفاء بالتزاماتها، كما لم يتوقف المستثمرون عن شراء سندات الخزانة، وهو ما يكشف أن قوة الاقتصاد الأمريكي ومكانة الدولار تمنح واشنطن قدرة استثنائية على الاقتراض.
 لكن الخطر الحقيقي لا يرتبط بمجرد تجاوز رقم معين، وإنما بقدرة الحكومة على تحمل تكلفة خدمة هذا الدين، خاصة مع استمرار العجز وارتفاع أسعار الفائدة.
وتشير بيانات المادة إلى أن نصيب الفرد الحسابي من الدين بلغ نحو 113.6 ألف دولار في مارس 2026، لكنه لا يمثل التزامًا مباشرًا على كل مواطن، بل مجرد مؤشر لتوضيح ضخامة الدين.

من أين جاء هذا الدين؟

ارتفع الدين الأمريكي من نحو 5.8 تريليونات دولار في نهاية السنة المالية 2001 إلى قرابة 10 تريليونات في 2008، ثم قفز إلى 26.9 تريليون دولار في 2020، قبل أن يتجاوز 40 تريليونًا في 2026.
 وأسهمت الحروب والأزمات المالية وتخفيضات الضرائب وبرامج التحفيز وجائحة كورونا في تسريع هذا المسار، لكن الأزمات وحدها لا تفسر الصورة كاملة؛ فبعد انحسارها استمرت الولايات المتحدة في تسجيل عجز كبير نتيجة فجوة هيكلية بين الإيرادات والإنفاق.
 وتوقع مكتب الميزانية في الكونغرس عجزًا عند 1.9 تريليون دولار خلال السنة المالية 2026، قبل أن يرفع تقديره إلى نحو 2.1 تريليون دولار، بما يعكس استمرار الضغوط على المالية العامة.
وحذر مدير المكتب من أن المسار المالي الأمريكي أصبح «غير قابل للاستمرار»، في حين تزداد أهمية المشكلة مع تواصل ارتفاع نفقات التقاعد والرعاية الصحية.

من يملك الدين ولماذا يستمر المستثمرون في شراء السندات؟

وينقسم الدين الأمريكي بصورة رئيسية إلى نحو 32.3 تريليون دولار من الدين الذي يحمله الجمهور، ونحو 7.8 تريليونات دولار من الالتزامات الحكومية الداخلية. ويشمل الدين الذي يحمله الجمهور البنوك والصناديق وشركات التأمين وصناديق التقاعد والاحتياطي الفدرالي والمستثمرين الأجانب، بينما لا تمثل الصين سوى جزء صغير من الصورة؛ إذ بلغت حيازتها من سندات الخزانة نحو 633 مليار دولار في يونيو 2026، مقابل 1.117 تريليون دولار لليابان و940 مليارًا للمملكة المتحدة.
ويواصل المستثمرون شراء السندات الأمريكية لأنها مدعومة بالتزام الحكومة بالسداد، كما أنها تتمتع بسيولة ضخمة وتستخدم كأداة ضمان واحتياطي من جانب المؤسسات والبنوك المركزية. ويعزز الدولار هذا الطلب، بعدما استحوذ على 57.13% من الاحتياطيات العالمية في الربع الأول من 2026، ما يمنح الخزانة الأمريكية قاعدة واسعة ومستقرة من المشترين.

امتياز الدولار يقلل خطر الإفلاس لكنه لا يلغي تكلفة الدين.

وتتمتع الولايات المتحدة بميزة مختلفة عن معظم الدول لأنها تقترض بعملتها وتصدر العملة التي تُسدد بها التزاماتها، ما يعني أنها لا تواجه خطر نفاد العملة الأجنبية بالطريقة نفسها التي تواجه بها الدول المدينة بعملات أخرى.
لكن هذه الميزة ليست حماية بلا حدود؛ فالإفراط في إصدار النقود لتمويل الإنفاق قد يؤدي إلى التضخم وتراجع سعر الدولار، بينما يدفع تراجع الثقة المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى. كما أن المشكلة تتفاقم عندما ترتفع تكلفة إعادة تمويل السندات المستحقة، لأن الخزانة تضطر إلى إصدار ديون جديدة بأسعار فائدة أكبر.
ووفق المادة، يُتوقع أن يبلغ صافي مدفوعات الفائدة تريليون دولار في 2026، وأن يرتفع إلى 2.1 تريليون دولار في 2036، ما يعني استنزاف جزء متزايد من الموارد الحكومية على خدمة الديون بدلًا من توجيهها إلى الدفاع والتعليم والبنية التحتية أو مواجهة الأزمات المقبلة.

الخطر الحقيقي.. عندما تتحول مشكلة الدين إلى أزمة ثقة.

لا يوجد رقم محدد يؤدي تلقائيًا إلى انهيار الاقتصاد الأمريكي، إذ يعتمد الخطر أساسًا على نسبة الدين إلى الناتج، وحجم الفائدة مقارنة بالإيرادات، وقدرة الحكومة على تعديل الإنفاق والضرائب. لكن هناك عامل آخر شديد الحساسية يتمثل في سقف الدين، الذي يبلغ حاليًا 41.1 تريليون دولار؛ ما يعني أن هامش الاقتراض المتاح فوق مستوى الدين الحالي ليس كبيرًا.
وإذا نفدت الإجراءات الاستثنائية دون رفع السقف أو تعليقه، فقد تواجه الخزانة صعوبات في سداد التزامات سبق أن أقرها الكونغرس، بما فيها فوائد السندات والرواتب والمزايا.
 وتمتد آثار هذه المخاطر إلى الاقتصاد العالمي، لأن ارتفاع عوائد الخزانة الأمريكية يرفع تكلفة الاقتراض للحكومات والشركات حول العالم، وقد يؤدي إلى خروج رؤوس أموال من الاقتصادات الناشئة والضغط على عملاتها.
 وفي النهاية، تظل قدرة واشنطن على مواصلة الاقتراض مرتبطة بعنصر أكثر أهمية من حجم الدين نفسه: ثقة المستثمرين في قدرة الحكومة الأمريكية على السداد والحفاظ على استقرار الدولار.

شارك هذا المقال

اقرأ المزيد

تطبيق UA Finance لمتابعة الأسواق لحظة بلحظة

حمّل التطبيق لمتابعة الأسعار المباشرة، الأخبار الاقتصادية، التحليلات، الأسهم، العملات، الذهب والعملات الرقمية بسهولة.